قبل أن تنشأ الدولة السعودية ، كان الإنسان في الجزيرة وخصوصا في وسطها يعتمد في حياته على التنقل من مكان لآخر حسب مؤشرات المطر ، وكانت الأعمال الحرفية التي يحتاجها في إقامته المؤقتة مناطة بالمرأة أو بالعبيد الذين تم أسرهم في غزواته ، وكانت نظرته للمرأة والعبد دونية ـ وهذه النظرة ليست خاصة به ، فهي نظرة عالمية قبل أن تصحح بعض المجتمعات هذه النظرة ـ ؛ لهذا كان يحتقر الأعمال الحرفية ، ولا يستطيع القيام بها لأنه يراها تقلل من رجولته .
بعد نشوء الدولة وخروج البترول ، واستقرار الكثير من البدو ، ظلت هذه النظرة قائمة ، لدرجة أنه يقبل أن يتسول أمام القصور ، لكنه يرفض أن يعمل في هذه المهن الدونية التي كانت تقوم بها المرأة والعبد .
في نفس الوقت كان المسئولون عن التعليم لدينا أشخاصا طيبين لكن لديهم نظرة دونية ليس للعمل المهني ، بل للحياة بأكملها ، وكانت الفكرة التي يحاولون زرعها في رؤوسنا أننا خلقنا لعبادة الله عز وجل وللجهاد ضد الكفار أصدقاء الشيطان ، وللعاهرة المسماة حياة التي تريد أن تفسدنا وتأخذنا بعيدا عن الصراط المستقيم ، لهذا كنا ندرس خطب وشعر الخوارج ، ولم يتم الحديث عن البناء من أجل مستقبل أبنائنا ، ولم تكن فكرة الوطن وبنائه حاضرة في رؤوسنا ، لأن الكثير آمن بأن هذه الحياة إلى زوال .. فلماذا نبني ؟
هذه النظرة الدونية التي أسستها البداوة والتعليم أثرت هي والبترول حتى على المدن الساحلية في السعودية وتخلى سكان السواحل عن القيام بهذه الأعمال المهنية ، حتى صيد الأسماك ترك للعمالة الوافدة .
وبدأنا نستورد لهذه المهن من الخارج ، لأننا ورغم الاستقرار لم نحاول تغيير تلك النظرة الدونية ، ولا هي مؤسسة التعليم حاولت إلغاء تلك النظرة ، فوصلت العمالة لدينا إلى أرقام فلكية وربما لن أفاجئ إن كانت النسبة "عامل لكل ثلاثة مواطنين".
وكان كل مرة ترتفع فيها نسبة العمالة الأجنبية لهذه المهن ، تتكرس النظرة الدونية لهذه المهن ، من جيل لآخر ، وكان الإعلام لا يناقش هذه النظرة الدونية ويحاول تصحيحها ، بل يناقش جرائم العمالة ، مع أنك لو حسبت عدد العمالة لنسبة الجريمة لوجدت أنها طبيعية أي هي لا تختلف عن نسبة الجريمة في المجتمع إن لم تقل .
هذه الأيام استيقظت وزارة التربية والتعليم بعد كل هذه السنين ، لتحاول إلغاء النظرة الدونية التي شاركت في تأسيسها لعقود ، وهذا حسن من باب "أن تصل متأخرا خير من ألا تصل" ، ولكن هل وصلت الوزارة ؟
تقول وزارة التربية والتعليم : إنها وبالتعاون مع المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني ، ستحاول نشر الثقافة المهنية لدى طلاب المرحلة الثانوية ، من خلال إضافة مادة السلوك المهني على مقررات المرحلة الثانوية .
لا أعرف من هم المستشارون أو الخبراء الذين قدموا هذه الدراسة التي ستقرها الوزارة اعتبارا من العام المقبل ، لكن ومن خلال هذه الدارسة ، نحن أمام مستشارين لا دخل لهم في سلك التعليم ، أو هكذا يبدو الأمر .
والسبب أنك لا تستطيع تغيير هذه النظرة الدونية ، بعد أن تم تأسيسها في ذهن الطلاب ، وبالتالي سيكون التغيير بطيئا أو لن يتغير شيء ، وإن كانت الوزارة جادة في هذه القضية عليها أن تبدأ في المراحل الأولية ، وقبل أن يتشكل وعي الفرد .
فما أعرفه أن الآباء والمجتمع حين يعلمون الطفل في كل مرة رمزا جديدا في كلمة ، فإنهم يعطونه محتوى يتضمن معنى ذهنيا/عقليا وعاطفيا لهذا الرمز .
وهذا المحتوى ينحصر في نطاق اتجاهات ومشاعر الآباء والمجتمع وما يؤمنون به ، وتتم هذه العملية قبل أن يستطيع الطفل الحكم على الكلمة وما تعنيه بالنسبة له .
بمعنى ونحن نعلم الطفل معنى الكلمة ، نعلمه أيضا الانفعالات النفسية تجاه هذه الكلمة ، ومن خلال الكلمات نحن لا نزود الطفل بالمعنى فقط ، إنما نزوده أيضا بالاتجاهات نحو السلوك .
وإن أرادت وزارة التعليم تغيير تلك النظرة الدونية أو السلوك ، فيجب عليها العمل على هذا في المراحل الأولية ، وليس بعد أن يتشكل المعنى والانفعالات النفسية لكلمة "سباك ـ نجار ـ عامل ـ ميكانيكي" داخل الفرد الذي تريد تغيير نظرته الدونية للأعمال المهنية .
بقي أن أقول : لا يمكن لمجتمع أن يتقدم ما لم يتم تسليم التعليم لكفاءات تعرف كيف تصنع عقولا تنزع للتطور ، ويخيل لي ومن خلال دراسة الخبراء ، أن هذه الدراسة تدل على نوايا طيبة تريد التغيير ، لكنها لا تعرف كيف تغير .








