ظهر السرير مقوس ، غير مريح ، يعلو صريره لأي حركة ، الغطاء تعاقب عليه أكثر إخوانه ، أما الوسادة فهي خاصة بسمير لم يستعملها أحد قبله ، لأنه يمتلك ثمنها وقادر على شرائها ، وتبقى الوسادة عزيزة على من يتقلب كثيرا قبل نومه ، فيدس رأسه ، علها تخبئ أحلامه ، وتشاركه هواجسه ، غطاء الوسادة خشن ألوانه متنوعة بالزهور وورق الشجر ، والأباجورة قديمة في البيت تنقلت في أكثر غرف البيت ، بدأت رحلاتها مع أخيه الأكبر ( الذيب ) أيام زواجه حيث كانت حديثة ، وجديدة ومثار الإعجاب لأصدقائه ، أبو زهرة والكّـمّي والدعلة ، الذين دعاهم قبل ليلة زفافه لرؤيتها ، تعمل بلمسة أصبع وبلمسة أخرى يعلو نورها ولمسة أخيرة تكون إضاءتها قد ملأت الغرفة ، ثم تحولت إلى غرفة أخيه حسن وكان لا يحب إلا أن تكون مضاءة تماما ولا يستخدمها كثيرا ، لأنه غير متفرغ للجو الهادئ والتفكير ، كان جادا دائما ومنذ دقائقه الأولى يكون قد غطّ في نومه ، أما سمير فيحب دوما ، أن تكون الأباجورة نصف مضاءة ، يدهشه لون الغرفة بهذه الإضاءة ، يرى أن موجودات الغرفة تأخذ لونها الطبيعي .
مدّ سمير يده ، فتح درج الكوميدينا ، وتناول علبة السجائر والولاعة ، ترك الأباجورة منتعشة في ضوئها ، غادر الغرفة إلى خارج البيت ، أدار محرك السيارة الفان ، ثم أغلق الباب وتركها تعمل ، أشعل سيجارته ، كان صوت الماكينة يبعث في نفسه الشعور بالامتلاك ، جلس على عتبة البيت ولم يكن بينه وبين السيارة سوى أقل من متر ، يحلو له أن تكون السيارة ملاصقة لعتبة البيت حتى لا يسمح لأحد المارة بالمرور إلا من الجانب الآخر ، ويكون جانب السيارة الأيسر هو المحاذي لعتبة الباب حيث مقود السيارة وحيث المكان المفضل الذي تجلس فيه بدرية ، يتسمع لنغمة السيارة وبمجرد أن يتغير صوت نغمة السيارة حتى يفزع ويقوم مسرعا يضع أذنه بالقرب من شكمان السيارة الذي يخرج هواء الماكينة يصغي لصوت السيارة حتى يتأكد أنه صوت مشدود وبنغمة واحدة ، وعند حدوث أي تراخٍ أو هزة في الصوت هذا يعني أن الماكينة بها خلل قد يكون ( البليتين ) يحتاج إلى وزن وضبط أو الماكينة تحتاج إلى تنظيف ، يترك محرك السيارة يعمل حتى يطمئن أنها سليمة كي لا يتأخر في الصباح على الطالبات ، موعد ذهابهن إلى الجامعة ، ودائماً بدرية أول الراكبات وآخرهن عند العودة ، يعبّ آخر نفس من سيجارته ، ثم يرمي عقب السيجارة بعيدا حتى لا تتسرب رائحتها إلى غمارة السيارة ، لا يودّ لبدرية أن تتضايق ولا يود أن يفسح المجال لها أبدا للتفكير للانتقال لسيارة أخرى وسائق آخر ، ذلك أمر يبعث على البكاء ، لن يعيد تلك الحادثة ولن يدخن مرة أخرى في السيارة حيث ظلت بدرية تسعل وتحك وتتمتم بكلمات طوال الطريق إلى الجامعة ، فخشي أن تكون قد فكرت باستبدال السيارة أو السائق ، يرمي عقب سيجارته بعيدا ، وقبل أن يطفئ محرك السيارة يكون قد اطمأن لنظافة زجاج وكراسي السيارة ويتأكد من ذلك بأن يمرر يده على كل الكراسي ويتأنى في الكرسي الذي تجلس عليه بدرية ، ثم يرش هواء الملطف داخل السيارة وعند اتجاه بدرية يرش من قارورة عطره الخاصة رشتين فقط لأنها تدل على أثنين سمير وبدرية وتكون الرشتان الصلة بينهما ، وينتظر اليوم الذي يرش العطر في غرفتهما وحدهما .
قبل السابعة صباحاً تكون السيارة قد اقتربت من إشارة الجامعة ، سمير حريص على أن يصل قبل موعد المحاضرة بربع ساعة حتى يكون لدى الطالبات متسع من الوقت للذهاب إلى القاعة قبل بدء المحاضرة ، وبدرية تحب دائما أن تكون أول الحاضرات ، وسمير على استعداد أن يوفر لها هذه الراحة .
أصبحت لدى سمير الخبرة في القيادة ، لا أحد يستطيع أن يتجاوزه ، لديه مهارة عالية في أن يضيّّق الطريق على زملائه سائقي سيارات نقل الطالبات ، يضايقهم إذا أراد أحدهم أن يتجاوزه ، بأسلوب وفن ، يجعل الطالبات لا يشعرن بأنه متهور في القيادة ، يقف في الإشارة في الجانب الأيمن من الشارع وقبل أن يضئ اللون الأخضر يكون سمير أول المنطلقين إلى الجانب الأيسر ، ويتجاوز كل السيارات ، هكذا يقضي سمير وزملائه الطريق في مزاح وتسابق ، كل منهم يريد أن يصل أولاً كي يرتفع رصيده كسائق لدى الطالبات ، لا يسمح لأحد أن يتجاوزه ، ما عدا أبو يحيى لكبر سنه فقط ، الذي تجاوز الخمسين ، ومنذ بدأ أبو يحيى في نقل الطالبات ؛ وروح الشباب عادت إلى جسده ، أصبح أكثر حيوية ، وخفة ، عاد يهتم بمظهره ، وتغيرت معاملته لزوجته إلى الأفضل ، بدأ يتغزل بها ويشتري لها الهدايا ، وخصص يوم الخميس للخروج مع أسرته ، وأصبح يشارك في المناسبات الاجتماعية يشارك أهل العزاء مصابهم ، ويشارك الناس أفراحهم ، يقف مع أهل المناسبة وكأنه هو صاحبها أيضا ، يقدم الضيوف للمجلس ويربت على أصحاب المصيبة ، ويقف بجانب العريس يتلقى التبريكات ، يقف بجانبهم ، ولا يحب أن يقال له شكراً ، وحين يقدم له الشكر والثناء ، يشعر بالضيق إذ يرى أن ما قام به من واجبه ، وكثير من الأحيان يقدم الواجب ويبتعد حتى لا أحد يقدم له الشكر أو يثني عليه ، كان ذلك ملحوظا من الجميع ، وملفتا للنظر ، تقبله الناس بشخصيته الجديدة وأحبوه ، أبو يحيى الوحيد الذي يسمح له سمير أن يتجاوزه بسيارته الفان الأزرق احتراما له .
أربع سنوات وسمير يعمل في نقل الطالبات لدى علي أبو شبيب ( المعزّب ) صاحب السيارات الفان والباصات الصغيرة ، يمتلك 12 سيارة ، وسمير في آخر الشهر يتسلم راتب 1500 ريال ويزيد الراتب إذا عمل في نقل النساء إلى السوق في ليالي رمضان أو أيام الزواج الجماعي في شهري ربيع الأول وشوال من كل عام ، إذ يكثر ذهاب النساء إلى الأسواق في هذه الأشهر لشراء مستلزمات العيد أو العرس ، أو نقل النساء إلى صالات الأفراح ، بذلك يرتفع راتبه إلى 2000 ريال ، وسمير يجمع رابته لليلة يحلم أن تقبل عليه مسرعة ، جميلة ، فتية ، هي ليلة الزفاف ، كي يستريح من العناء وبعض العناء الذي يسمعه من بعض أصحابه القدامى الذين لم يلتزموا بعمل ، ولم يصبروا على التعب ، ويفضلون جلسات الشوارع ، وكلما عبر سمير ارتفعت أصواتهم بكلمات تسبب الضيق لسمير : ( إيه أش عليك ، تمر ولا تسلم ، لنا الله ، مين قدك ، طايح في ربيع ) عرف فيما بعد سمير أن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا أصدقاء ، فأخذ يتجاهل وجودهم ، لا يجالسهم ، ولا يلقي عليهم التحية إذا مرّ لعلهم يتركونه في حاله ، والذي يبدأ في الإقبال على الزواج يبدأ يتغير في سلوكه ويبدأ يفكر مثل الرجال ، ودائما يتكلم عن المسؤولية ، وعن المستقبل ، وأن ( اللي راح راح ) ، وعلى الإنسان أن يستقيم ، ويبدأ ينتبه لنفسه ، ويجالس أهل الخير ، ويبتعد عن أصدقاء السوء ، إلى آخر هذه الحكم والدرر التي يكررها كبار السن ، المستكينين في المجالس .
في شهر رجب القادم يكون سمير قد جمع 50 ألف ريال ، وهو مبلغ مشجع للتفكير في الزواج ، وبدء الخطوة الأولى ، وهي اختيار بنت الحلال ، ويبدو أن سمير( حطّ عينه ) على شريكة حياته ، وقد تكون معلمة تساعده على مصاعب الحياة ، وتربي أولاده خير تربية ، وأن يكونوا ناجحين ومتفوقين في دراستهم ، افضل من أبناء إخوانه ، المهملين ، والمتأخرين في دراستهم .
كانت مريم تتحدث عن التخفيضات التي لدى محلات الأميرة ، وأنها اشترت ملابس كثيرة ( بالهبل ) بأسعار لا تصدق حتى أنّ أختها حينما علمت بذلك أخذتها إلى السوق مرة ثانية في اليوم نفسه كي تدلها على هذا المحل ، وتشتري أفضل مما اشترت ليلى ، كانت هذه الأحاديث تدغدغ سمير ، فيقود سيارته وهو منشرح ، وباتزان ، يحاذر مطبات وتعرجات الطريق التي تمتلئ بها شوارع الأحساء ، قالت مريم : من الضروري أن تذهبي يا أمّ محمد لهذا المحل ، فيه ملابس ( تجنّـن ) وتناسب جسدك ، وبأسعار رخص التراب ، ردت أم محمد : إذا جاء زوجي يوم الأربعاء هذا الأسبوع ، إن شاء الله ندخل السوق ونروح للمحل .
انتبه سمير إلى أنّ بدرية هي صاحبة الصوت ، هي أم محمد ، كانت قدمه تحاول أن تضغط على دواسة البنزين ، ولكن سمير يشعر أنها لا تستجيب ، شعر بثقل في جسده ، اقشعر بدنه ، وأخذ يعرك عينيه ، ويحكّ أذنيه ، ودّ أن يتوقف قليلا ، ولكنه عدل عن ذلك ، كانت النخلات التي بلا رؤوس والمنكفأة تلفت انتباهه ، وتشدّ عينيه ، أخذت السيارة تسير لا تبالي حفر الطريق ، أو تعرجاته ، تريد أن تصل ، لتقف ملاصقة للبيت حتى لا يسمح بالمرور إلا من الجانب الآخر ، ويكون جانب السيارة الأيسر هو المحاذي لعتبة الباب حيث مقود السيارة ، وحيث ذكرى المكان المفضل الذي تجلس فيه بدرية .




رد مع اقتباس