نظرات بلاغية في آيات قرآنية ... السجين الداعية
قال تعالى: “ثم بَدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين، ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطيرُ منه نبئنا بتأويلهِ إنا نراكَ من المحسنين، قال لا يأتيكما طعامٌ ترزقانهِ إلا نبأتكما بتأويلهِ قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل اللهِ علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناسِ لا يشكرون، يا صاحبي السجنِ أأرباب متفرقونَ خيرٌ أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزلَ الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدينُ القيّم ولكن أكثر الناسِ لا يعلمون، يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطيرُ من رأسه قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان، وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذِكْر ربه فلبثَ في السجن بضع سنين” (يوسف: 35 42).
علوم دينية ودنيوية
لم ييأس يوسف عليه السلام عندما دخل السجن وهو مظلوم بريء، ولم يقنط من رحمة ربه، وكيف له أن ييأس أو يقنط وهو الذي فضَّل السجن على ان يرتكب الفاحشة؟
فتعالوا بنا أيها السادة القراء لنرى الصِّديق يوسف عليه السلام وهو في سجنه حيث استغل فترة حبسه في الدعوة الى الله تعالى على بصيرة وعلم ويقين، فكان بحق نِعْمَ السجين، إنه السجين الداعية الذي انشغل بهَمِّ الدعوة عن هَمِّ نفسه.
وقد بيّنت في المقالة السابقة شيئاً من فطنة السجين الداعية عليه السلام وطريقته في استمالة القلوب بحكمة ولطف وأناة ليأخذ بأيديهم الى شاطئ الايمان.. شاطئ النجاة، وبينت كيف انه استغل فرصة سؤال السجينين له عن رؤياهما لدعوتهما الى التوحيد، وقلت إن يوسف عليه السلام لم يُجب مباشرة عن سؤالهما، وإنما مَهَّد لإجابته تمهيداً بارعاً ليصل الى غرضه في دعوتهما الى الإيمان. واليوم نواصل الحديث إن شاء الله.
وقد دَلَّ قوله “مما علَّمني ربي” على أن يوسف عليه السلام قد عُلِّم علوماً دينية كعلوم الشريعة والحكمة والأمانة ودنيوية كعلوم الاقتصاد.
وقد وقعت جملة “إني تركت ملة قوم لا يؤمنون..” تعليلاً لجملة “ذلكما مما علمني ربي” فكأنه يريد أن يقول: إنني نلتُ هذا العلم العظيم الذي علمني ربي إياه لأنني مؤمن موحد بالله تعالى. ويجوز أن تكون تلك الجملة استئنافاً وقع جواباً عن سؤال، كأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم العظيمة؟ فقال: لأنني رفضت دين الكفر الذي كان القوم مجتمعين عليه. ويشير قوله: “إني تركت ملة قوم” الى أن ترك الشيء إنما يكون بعد ملابسته والكون فيه، يقال: ترك فلان التعامل بالربا، وتعاطي المخدرات ونحو ذلك إذا كان قد تَلَبَّس بهذا الفعل ثم أقلع عنه، ويوسف عليه السلام لم يكن لحظة على ملة الكفار فلِمَ قال: “إني تركتُ”؟
ويجاب عن هذا بأن الترك نوعان أولهما: ترك بعد الملابسة ويسمى ترك انتقال وهذا ينطبق على المثالين المذكورين وثانيهما: ترك قبل الملابسة أي القيام بالفعل، ويسمى ترك إعراض، وما ورد في الآية من النوع الثاني وهذا كلام الرازي لأنه عليه السلام لم يتلبس بملتهم أصلاً.
حكمة وكياسة
وأراد يوسف عليه السلام بالذين لا يؤمنون أهل مصر، وقد عبَّر عن كفرهم بالله تعالى بقوله: “قوم لا يؤمنون بالله” وذلك ينفي الإيمان عنهم، للإشارة الى أن عبادتهم التي كانوا عليها وما فيها من وثنية وشرك ليس لها حظ في الإيمان بالله تعالى كما يتوهمون. ويشير بقوله: “الذين لا يؤمنون” الى القوم الذين شَبَّ فيهم، وهم العزيز وأهله وخاصته وعامة الشعب، وتأمل فطنة يوسف عليه السلام وحكمته في دعوته، حيث انه بهذا التعميم في قوله: “الذين لا يؤمنون” لا ينسب الكفر الى الفتيين السائلين صراحة، بل تعريضاً لأنهما على ملة القوم، وإنما يذكر القوم عامة حتى لا يحرجهما ولا ينفرهما من دعوته، وتلك كياسة داعية عظيم.
ثم وصف يوسف عليه السلام هؤلاء القوم بما يدل على شدة كفرهم وضلالهم فقال: “وهم بالآخرة هم كافرون” وأتي بضمير الفصل في قوله: “هم كافرون” للإفادة بأن هؤلاء القوم مختصون بذلك الكفر دون غيرهم لشدة تهالكهم فيه. والقصر هنا إضافي قصد به المبالغة في وصفهم بالكفر، وكأنه لا يوصف به غيرهم لما سبق ذكره.
وذكر يوسف آباءه في قوله: “واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب” ليدل على شرف أصله، وكريم نسبه وأنه من بيت نبوة، ليكون ذلك داعياً لتحفيز سامعيه على قبول كلامه، والعمل بنصائحه، واتباع دعوته. وقد سماهم آباء جميعاً، لأن الأجداد آباء.
وقدَّم الجد الأعلى (إبراهيم عليه السلام) ثم الجد الأقرب ثم الأب، لكون ابراهيم عليه الصلاة والسلام هو رأس ملة الحنيفية وأصلها، والمقصود ملة التوحيد وقوله تعالى: “ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء” فيها تأكيد على عراقته وآبائه في الإيمان والتوحيد الخالص حتى صار كالسجية لهم. فهو يريد أن يقول: ما صَحَّ لنا نحن معاشر الأنبياء أن نشرك شيئاً من الأشياء كائناً ما كان من مَلِك أو إنسي أو جني أو حجر أو صنم، ولذلك جيء ب”مِن” في قوله: “من شيء” لتأكيد عموم النفي أي نفي الاشراك بأي شيء.
وعبّر عن التوحيد باسم الإشارة الموضوع للبعيد في قوله “ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس” للدلالة على علو منزلته، وارتفاع درجته. ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع الى الناس في قوله: “ولكن أكثر الناس لا يشكرون” حيث كان الظاهر ان يقال: “ولكن أكثرهم لا يشكرون” (لزيادة التوضيح والبيان ولقطع توهم رجوعه الى مجموع الناس وما كني عنه في قوله “بنا”.
نسف العقيدة الفاسدة
وينتقل يوسف عليه السلام خطوة أخرى حاسمة لنسف عقيدة القوم الفاسدة بعد هذا التمهيد البارع فيقول: “يا صاحبي السجنِ أأرباب متفرقونَ خيرٌ أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزلَ الله بها من سلطان..”.
تأمل مناداته لهما باسم الصحبة وما توجب من النصيحة والإخلاص، ثم إضافة تلك الصحبة الى السجن، وهو المكان الذي جمعه بهما، وما يوحي به هذا المكان من الضيق والضنك والشدة. والمهم ان نشير الى ان الاضافة في قوله “يا صاحبي السجن” على تقدير حرف الظرفية، والتقدير: يا صاحبين في السجن.
ثم أخذ يوسف عليه السلام في إبطال عقيدتهما وعقيدة قومهما الفاسدة بعد أن بيَّن لهما إيمانه ونبوته لِيَأنَسَا به فقال مستخدما أسلوب الاستفهام الانكاري التوبيخي: “أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار”؟! فيوسف يريد أن يقول لهم: أيهما يستحق العبادة والانقياد له والاحتكام لأمره أآلهة متعددة كثيرة عاجزة لا تنفع ولا تضر أم الاله الواحد القاهر المالك لهذا الكون المهيمن عليه؟
إنك ترى يوسف عليه السلام يخاطب فيهما منطق العقل والحجة والبرهان والفطرة معا، واستخدم عليه السلام أسلوب الاستفهام لِيُقرا بفساد عقيدتهما، وببطلان دينهما، كما استخدم أفعل التفضيل ليبيّن لهما البون الشاسع بين الآلهة المتعددة العاجزة، وبين الإله القهار الواحد، كما أن استخدام أفعل التفضيل كان أقرب الى الإنصاف لكونه ألين في القول، فيكون أدعى الى القبول كما يقول البقاعي.
وكأن يوسف عليه السلام أراد أن ينتزع منهما الاقرار بالوحدانية من خلال هذا الاستفهام الذي تتعين له إجابة واحدة يقول بها كل من يعقل، وهي: “الله خير” وبيّن يوسف عليه السلام بعد ذلك لهما نفي وجود ما يسمونه آلهة فهي في حقيقة أمرها لا وجود لها وجوداً حقيقياً، فضلاً عن أن تكون آلهة معبودة، وذلك حق، لأن قدماء المصريين كانوا يفرضون آلهة للزرع، وآلهة تتوالد وتتقاتل، وكلها فروض لا وجود لها.
فهي أسماء سموها وعبدوها وتتابعت أجيالهم على عبادتها وقد كانت آلهة المصريين القبط كثيرة وقيل انها كانت ما يقرب من ثلاثين إلهاً مزعوماً، أعظمها عندهم آمون رَعْ. وقد استخدم يوسف عليه السلام لبيان هذا المعنى أسلوب القصر بالنفي والاستثناء وهو أعلى طرق القصر وأقواها وتجد هذا في قوله: “ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها...” فقصر عبادتهم من دون الله على أسماء لا مسميات لها،
وقال: “ما تعبدون” على خطاب الجمع وكذلك ما بعده من الضمائر، لأنه قصد خطاب الفتيين ومن كان على دينهم فهو يريد إبطال دينهما الذي يدين به قومهما، وقد أعرض عن تخصيصهما بالمواجهة رغبة في إصغائهما له وعدم نفورهما من دعوته، فليس من اليسير اقتلاع عقيدة فاسدة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، لذا فيوسف عليه السلام يتدرج في دعوتهما مستخدما حكمته وكياسته، ضارباً على أوتار الفطرة، مستخدماً أيضاً الأدلة العقلية والأقيسة المنطقية، وكل هذا لينسف دين القوم الفاسد؟ ولذا كثرت أساليب القصر في دعوته التي تدل على التوكيد، تقرأ هذا في قوله: “ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها”، “إن الحكم إلا لله”، “أمر ألا تعبدو إلا إياه”، “ذلك الدين القيم”.




رد مع اقتباس
الموضوع ومافيه أن هاليوزر سيتم ركنه حتى أشعار آخر ويستخدم فقط للدعم الفني .