النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: حسن الظن بالله -ابن القيم الجوزية رحمه الله-

  1. #1
    همسات الأبداع الصورة الرمزية ذات الوشاح الأبيض
    تاريخ التسجيل
    08 2006
    الدولة
    خارج الخريطة
    المشاركات
    6,300
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    0
    التحميلات
    0
    Rep Power
    149

    افتراضي حسن الظن بالله -ابن القيم الجوزية رحمه الله-

    --------------------------------------------------------------------------------
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

    قال ابن القيم رحمه الله ولا ريب أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه، أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: ( إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل ).

    وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه، متعرض للعنته، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه، وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات له، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر.

    وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب، وقد قال الله تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول وَذَلِكُمُ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ [فصلت:23].

    فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيراً مما يعلمون كان هذا إساءة لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن. وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه، وتسويلاً من الشيطان، لا إحسان ظن بربه.

    فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به.

    وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني. وقد قال أبو سهل ابن حنيف: ( دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت: لو رأيتما رسول الله في مرض له، وكانت عنده ستة دنانير، أو سبعة دنانير. فأمرني رسول الله أن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله حتى عافاه الله، ثم سألني عنها { ما فعلت أكنت فرقت الستة دنانير }، فقلت لا والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فقال: { ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده }، وفي لفظ { ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده } ).

    فبالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم، فإن كان ينفعهم قولهم: حسناً ظنوننا بك إنك لم تعذب ظالماً ولا فاسقاً، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه، فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال إبراهيم لقومه: أَئِفكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ [الصافات:87،86] أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.

    ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله.

    وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شداد ابن أوس عن النبي قال: { الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني }.

    وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن.

    فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن على سعة مغفرة الله ورحمته، وعفوه، وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو.

    قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه.

    فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته، ووقع في محارمه وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة. ثم أحسن الظن بعدها فهذا هو حسن الظن، والأول غرور والله المستعان.

    يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرجُونَ رَحمَتَ اللَّهُ [البقرة:218]، فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين والفاسقين، وقال تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:110] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.

    قال رسول الله : { إياكم والظن فإنه أكذب الحديث } [البخاري ومسلم].

    إن استمراء ظن السوء وتحقيقه لا يجوز، وأوّله بعض العلماء على الحكم في الشرع بظن مجرد بلا دليل.

    روى الترمذي عن سفيان: الظن الذي يأثم به ما تكلم به، فإن لم يتكلم لم يأثم. وذكر ابن الجوزي قول سفيان هذا عن المفسرين ثم قال: وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس الظن ولو لم ينطق به.

    قال القاضي أبو يعلى: إن الظن منه محظور ( وهو سوء الظن بالله ) والواجب حسن الظن بالله عز وجل.

    والظن المباح كمن شك في صلاته إن شاء عمل بظنه وإن شاء باليقين. وروى أبو هريرة مرفوعاً: { إذا ظننتم فلا تحققوا } وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة.

    قال ابن هبيرة الوزير الحنبلي: لا يحل والله أن يحسن الظن بمن ترفض ولا بمن يخالف الشرع في حال.

    وقال : { ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً } وفي لفظ { ديننا الذي نحن عليه } [البخاري]. قال الليث بن سعد: كان رجلين من المنافقين.

    عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { حسن الظن من حسن العبادة } [أحمد وأبو داود].

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يحل لامرىء مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً. وقال أيضاً: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه.

    وقال أبو مسلم الخولاني: اتقوا ظن المؤمن فإن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.

    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لله درُّ ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب عن ستر رقيقه.

    وقال ابن عباس رضي الله عنه: الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عز وجل.

    وفي الصحيحين أن صفية أتت النبي تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما فأسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { على رسلكما إنها صفية بنت حيي } فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: { إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً }، أو قال: { شراً }.

    قال أبو حازم: العقل التجارب والحزم سوء الظن. وقال الحسن: لو كان الرجل يصيب ولا يخطىء ويحمد في كل ما يأتي داخله العجب.

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين

    أختكم الملاذ الآمن مع ودي واحترامي

  2. #2
    همس مشارك الصورة الرمزية كسرة دلع
    تاريخ التسجيل
    03 2006
    الدولة
    في قلب اللي يحبني
    المشاركات
    304
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    0
    التحميلات
    0
    Rep Power
    29

    افتراضي

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

    تسلميــن غاليــه علــى موضوعــك الطيــب ,,

    جـــزاك الله الـف خيـر وجعلـه فـي ميـزان حسناتـك ,,

    دمتــي بخــير ,,

  3. #3
    همسات الأبداع
    تاريخ التسجيل
    12 2005
    المشاركات
    8,750
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    0
    التحميلات
    0
    Rep Power
    20

    افتراضي

    الملاذ الامن
    موضوع رائع
    الف شكر لكي لاختيارك هذا الموضوع
    بالفعل نحن بحاجه كبيره لهذه المواضيع المثقفه والمفيده
    الله لا يحرمنا منك ولا من تواجدك
    بانتظار جديدك على احر من الجمر
    دمتي بكل الود

  4. #4
    إدارة الموقع
    تاريخ التسجيل
    07 2004
    المشاركات
    19,934
    شكراً
    1
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    20
    التحميلات
    48
    Rep Power
    20

    افتراضي



    الملاذ الأمــن
    اشكر لك قلمــك على الطرح المتميــز
    فنحــن نحتــاج لمثل هالمواضيــع
    سلمت اناملك
    في انتظــار جديدك
    دمتــي بـــود

    هذا اليوزر قطية بين ثلاثة أشخاص مروا عليه فمره تلقى الرد تحته شكرا دموع ومره شكرا سلطان ومره شكرا فلان ولا فلان فلا تستغرب وتوسوس الموضوع ومافيه أن هاليوزر سيتم ركنه حتى أشعار آخر ويستخدم فقط للدعم الفني .

    ?? ?????? :


  5. #5
    همسات الأبداع الصورة الرمزية جــانــا الهوـــى
    تاريخ التسجيل
    11 2005
    المشاركات
    4,705
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    0
    التحميلات
    0
    Rep Power
    118

    افتراضي

    الملاذ الأمــن

    الله يجزاك الخير وجعل لك في كل حرف حسنات مضاعفة موضوع قيم ومهم جدا سلمتي اختي والله لايحرمنا تواجدك وجديدك

  6. #6
    همسات الأبداع الصورة الرمزية ذات الوشاح الأبيض
    تاريخ التسجيل
    08 2006
    الدولة
    خارج الخريطة
    المشاركات
    6,300
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    مكتبة الملفات
    0
    التحميلات
    0
    Rep Power
    149

    افتراضي

    كسرة دلع
    فراغ العاطفة
    دموع الغلا
    جانا الهوى
    جزانا الله وإياكم
    اختكم الملاذ الآمن مع ودي واحترامي...

المواضيع المتشابهه

  1. قصيده الى الوالد الشيخ زايد رحمه الله ^.^
    بواسطة طير العين في المنتدى همس القصيد
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2006-07-19, 11:01 PM
  2. لا حول ولا قوة الا بالله
    بواسطة نزف جـــرح في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 2006-06-11, 06:57 AM
  3. أين نحن من الثقة بالله
    بواسطة هموسه في المنتدى الــــــــمواضيـع الـــــــــمكـرره
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2006-05-19, 11:13 AM
  4. لاحولا ولا قوة ألا بالله ...
    بواسطة همس العيون في المنتدى استراحة الأعضاء
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 2006-02-21, 06:19 PM
  5. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2005-05-10, 12:20 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •