كثيراً ما ندعو الله أن يبارك لنا في كل شيء رزقنا إياه من أموال أو أبناء أو أعمال وخلافه، فالبركة تزيد الشيء بقدرته عز وجل وتشعر صاحبه بأن الخير تضاعف والرزق اتسع، ولذلك فإننا عندما نبتهل إلى الله سبحانه وتعالى ونقول اللهم بارك لنا فيما أعطيت فإننا بهذا نطلب ونبتغي مرضاته التي لا تتحقق البركة إلا بها.
الإنسان الصالح يسعى دوما إلى الالتزام بما أمر الله به وما نهى عنه سواء في أعماله التي تتعلق بالأمور الدينية أم الدنيوية، ومثل هؤلاء ممن يطلبون رضا الله يثابون عن أعمالهم بالخير الوفير، فيبارك الله فيما رزقهم به من رزق حلال.
وقد ورد لفظ البركة ومشتقاته في القرآن الكريم في أكثر من موضع وهي جميعها تدل على الخير والنعم والزيادة في الرزق.. يقول نبي الله عيسى عليه السلام عن نفسه كما جاء في الآية 31 من سورة مريم: “وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً”.
غير ان البركة بمعناها الشامل صفة اقترنت بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولازمته منذ ان حملت به أمه السيدة آمنة بنت وهب، حيث كانت البركة مثارا لدهشتها وعجبها، إذ كانت تشعر انها تحمل نورا وقد رأت في منامها انها تحمل في بطنها بسيد هذه الأمة وقد ازداد هذا النور إشراقاً إلى ان وضعته عليه الصلاة والسلام.
وتحكي السيدة حليمة السعدية مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم، عن البركة التي حلت بها عندما أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مازال رضيعا إلى بيتها فتقول: عرض الرسول على المراضع فما قبلته امرأة منهن لانه يتيم وذهبت أطلب من عبدالمطلب رضيعا فقال لي: إن عندي غلاماً يتيماً عرضته على نساء بني سعد فأبين ان يأخذنه فهل لك ان ترضعيه، عسى ان تسعدي به؟”. وعندما استشارت زوجها قال لها: لا بأس عليك ان تفعلي، عسى ان يجعل الله لنا فيه خيرا وبركة. وتضيف السيدة حليمة قائلة: “فما ان أخذته صلى الله عليه وسلم إلا وأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب أخوه (أخوه في الرضاعة) حتى روي وقام زوجي إلى الناقة فإذا بها امتلأت لبنا فحلب ثم شربنا حتى روينا وبتنا بخير هذه الليلة فقال زوجي: يا حليمة اني أراك أخذت نسمة مباركة من هذا الصبي.. ألم ترى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة؟”.
لقد كانت بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة للجميع فأينما حل تجد الخير يحيط به من كل جانب، فعندما كان الرسول يشارك أبناء عمه أبي طالب على مائدة الطعام كانوا يشبعون تماما، وعندما يغادرهم فلا يأكل معهم كانوا لا يشبعون.. وقد لاحظ ذلك أبو طالب مراراً وتكراراً فآمن بأن الخير كله في هذا الصبي المبارك من عند الله.
هذه البركة التي كانت سمة ملازمة لشخصه صلى الله عليه وسلم لم تكن تصدر عن فراغ انما هي ثمرة طيبة للرضا الإلهي، فطاعته سبحانه وتعالى وحسن عبادته والدعوة لشريعته لم تكن تثمر إلا نعمة وفضلاً كبيراً.
وكان المسلمون يقتدون دوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في سلوكه وحياته طامحين إلى رضا الله عز وجل، وكان عليه الصلاة والسلام ومازال خير معلم يسعى الجميع إلى اتباع ما ارشد إليه والابتعاد عن ما حذر منه فهو عليه السلام يوجه أمته إلى ان البركة يمكن ان تأتي للمرء بمجرد إلقاء التحية فقط.. يقول صلى الله عليه وسلم: “إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك”.
وفي السلوكيات الحياتية كان صلى الله عليه وسلم خير المثل في الاقتداء، فكان اذا أكل طعاماً يقول “اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه”. واذا شرب لبنا قال: “اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه”.
وفي وقتنا الحالي هناك من تغيب عنهم البركة نتيجة تصرفاتهم الشخصية التي تبتعد كثيراً عن ما أمرنا به الله عز وجل من سلوكيات تترجم مدى ايماننا بقدرته على ان يهبنا أو يمنع عنا الرزق، متصورين ان هذا الرزق ليس الا نتيجة جهد شخصي وهو أمر يجعل حياتهم خالية من كل البركات التي يزيد الله بها النعم على عباده الصالحين.




رد مع اقتباس
الموضوع ومافيه أن هاليوزر سيتم ركنه حتى أشعار آخر ويستخدم فقط للدعم الفني .