رحلوا عني ... وتركوني لوحدي
كنت أقود سيارتي متجهاً إلى (المجلس) ، وأثناء انتظاري
عند الأشارة نظرت إلى إحدى السيارات المتوقفة معنا
، وهذه النظرة لم تكن نظرة إعجاب، وانبهار بها لشكلها وألوانها
أو قوتها أو حداثتها ؛ إنما كانت نظرة خوف وحزن ، وتذكر للماضي
بعد أن نظرت إليها أصابني الحزن الشديد ، والضيق ، وجلست أبكي وأتذكر الماضي
كيف تمر الأيام علينا ؟
كيف يتغير الإنسان على المجتمع ؟
وكيف يتغير المجتمع على الإنسان؟
كنت أشاهد سيارة الإسعاف المخصصة لحمل الموتى ، فتذكرت والدي
... جدتي ..ابن خالي .. ابن أختي ...الأصدقاء ..زملاء الدراسة
أين هم ؟
ما هو حالهم ؟
هل هم سعداء أم تعساء ؟
من يذكرهم ؟
من يدعو لهم ؟
من يحزن لفراقهم ؟
بدأت أقلب صفحة الذكريات ، وأستعيد ذكرياتي مع والدي - رحمه الله
عندما كان يعطينا (الفلوس) للذهاب إلى المدرسة
وعند اجتماع الجميع على الغداء بشكل يومي ونتبادل أطراف الحديث
وعندما كان يجلس العصر في (الحوي - الحوش) ويقوم بسقاية الزرع والاهتمام به
ذكرياتي مع والدي كثيرة ، كان دائماً يأخذني معه
للصلاة ،لسوق السمك و(الخضرة) ، للعمل
وخلال هذه الجولات تعرفت على كثير من أصدقاء أبي من خارج نطاق الحي
كان أطفال الحي يذهبون للصلاة في المسجد من أجل أن يركبوا (البيك أب - الوانيت
الخاص بوالدي ، وكان يتوقف فجأة عند المنحنيات ليقفز الأطفال في السيارة وهم فرحين بذلك
كان الجميع يحب الوالد ، صغيرهم قبل كبيرهم ، ويسألون عنه إذا تغيب عن المسجد
وسأذكر لكم قصة طريفة حصلت بسبب تغيب والدي عن المسجد
في إحدى المرات وبعد صلاة العصر،
قام أحد رجال (الدعوة والتبليغ)ليلقي كلمتهم (المعروفة) ، ولكن
الوالد رحمه الله قام ليخرج من المسجد ، ولكن هذا (الداعية) قال - وبطريقة
غير مباشرة -: "عندما تأتي الملائكة تذهب الشياطين"، فنظر إليه الوالد وذهب.
ولاحظ (شواب) (الفريج) تغيب الوالد عن المسجد، فذهبوا إليه للاطمئنان عليه
فشرح لهم القصة، وطبعاً (شواب) (الفريج) لا يمكن أن يسكتوا عن مثل هذا الموقف.
فذهبوا إلى المسجد وأغلقوا الأبواب ، وتم تهديد
أعضاء (الدعوة والتبليغ) وأجبروهم على الذهاب إلى منزلنا للاعتذار من الوالد رحمه الله
الذكريات كثيرة مع والدي ، ولكن الموت حق (لا إله إلا الله) ، ففي إحدى الأيام
كنا ننتظر عودته إلى المنزل، لنفاجأ بخبر وفاته إثر حادث دهس
لم تستطيع سيارة الإسعاف إنقاذه وهي التي وصلت إلى الحادث خلال 3 دقائق بالضبط.
كنت في غرفتي في اللحظة التي تم إبلاغ الأهل بوفاة الوالد ، وعند ذهابي
إلى (الصالة) وجدت الجميع يبكي ، وأنا أسألهم ماذا حدث ؟
أخبروني ... أرجوكم ... فكانت الطامة ... أبوك ...توفي
لم أصدق هذا الخبر، وجلست خارج المنزل ، انتظر عودته
وكلما مرة سيارة زرقاء كسيارة الوالد ، ظننته هو
ولكن أمنياتي بعودته تتبخر أمام حقيقة الموت
وبعد وفاته أظلم البيت، ولا نحس له بطعم ، وتفرق الجميع
و أصبحوا لا يجتمعون إلا في الأسبوع مرة واحده، والآن في رمضان فقط
لماذا يا أخواني وأخواتي ؟
لماذا أصبحت الأمور التافهة تفرق بيننا ؟
ونحاول التظاهر بأننا على قلب واحد ؟
تأقلمت على الوضع الجديد ، وفي القلب حزن شديد
ومرت الأيام ... والشهور ... والسنوات
حتى شاهدت جدتي وهي تحتضر أمام عيني على سريرها الطبي
والوالدة تذكرها بـ (لا إله إلا الله) ، ولكن الموت حق ، وفضت روحها أمام أعين الجميع
وأجسادنا تقشعر من هول المنظر فهي أول مرة نشاهد من يحتضر
وعم الحزن في أرجاء البيت، على موتها ، وافتقد الجميع (سوالفها) ، وتم
إخراج سريرها الطبي من غرفتها بعد فترة طويلة، وكما هو حال الجميع
تعود الحياة بعد مرور الأيام ... والشهور ... والسنوات.
حتى جاءني اتصال من أختي في وقت متأخر من الليل،
لتقول: "ولد خالك .توفي " أقول:"فلان ...ولا فلان" فتقول:"لا فلان
فقفزت من على السرير، مسرعاً لألبس ملابسي، متجهاً إلى منزلهم
بسرعة جنونية وبدون تفكير وإحساس، وعند الوصول أخبروني بالتفاصيل
و(خالي) لا يعلم بوفاة ابنه ، ولكن عندما أخبر بذلك في الصباح أصابه حزن شديد
لم أشاهد هذا الحزن على أحد منذ فترة طويلة، وخاصة أن المتوفى كان أعز أبناءه
وكان قبل وفاته بساعات جالساً مع والده لتناول العشاء
وكانت الأم في خارج الدولة للعلاج، ولكنها أحست بإحساس غريب
وسارعت في العودة، وعند اقترابها من المنزل وشاهدت السيارات الواقفة حول المنزل
علمت بأن إحساسها لم يخطأ، وسبحان الله هذا إحساس الأم
وبعد أيام ... وشهور ... و سنوات تعود الحياة للجميع
ليمارسوا حياتهم، فلا يستطيع أحد أن يضل في حزنه للأبد، وإلا توقفت الحياة
ولكن الموت حق، فإما أن تكون أنت أحدهم، أو الذي بجنبك
أو أمامك أو خلفك أو زوجتك أو أبنك أو قريبك أو صديقك ...الخ
وهنا أتوقف لأني لا أستطيع الإكمال ، فقصة وفاة ابن أختي لا أستطيع
أن أذكرها لأن من سمع بها حزن حزناً شديداً، ولا زال الحزن في قلبي، فما بال والديه
منقول




رد مع اقتباس
الموضوع ومافيه أن هاليوزر سيتم ركنه حتى أشعار آخر ويستخدم فقط للدعم الفني .